ابن خلدون

400

تاريخ ابن خلدون

فيتخطفون منها ما قدروا عليه ويصادمون ما يلقون من أساطيل الكفرة فيظفرون بها غلبا ويعودون بالغنائم والسبي والأسرى حتى امتلأت سواحل الثغور الغربية من بجاية بأسراهم تضبح طرق البلاد بضجة السلاسل والأغلال عندما ينتشرون في حاجاتهم ويغالون في فدائهم بما يتعذر منه أو يكاد فشق ذلك على أمم الفرنجة وملا قلوبهم ذلا وحسرة وعجزوا عن الثارة به وصرخوا على البعد بالشكوى إلى السلطان بإفريقية فصم عن سماعها وتطارحوا سهمهم ونكلهم فيما بينهم وتداعوا لنزول المسلمين والاخذ بالثار منهم وبلغ خبر استعدادهم إلى السلطان فسرح ابنه الأمير أبا فارس يستنفر أهل النواحي ويكون رصدا للأسطول هنا لك واجتمعت أساطيل جنوة وبرشلونة ومن وراءهم ويجاورهم من أمم النصرانية وأقلعوا من جنوة فحطوا بمرسى المهدية منتصف ثنتين وتسعين وطرقوها على حين غفلة وهو على طرف البر داخل في البحر كأنه لسان دالع فأرسوا عندها وضربوا عند أول الطرق سورا من الخشب بينه وبين البر حتى صار المعقل في حكمهم وعالوا عليه بالأبراج وشحنوها بالمقاتلة ليتمكنوا من قتال البلد ومن يأتيهم من بلد المسلمين وصنعوا برجا من الخشب من جهة البرج يشرف على أسوار المعقل ليعظم نكايتهم وتحصن أهل البلد وقاتلوهم صابرين محتسبين وتوافت إليهم الامداد من نواحي البلد فحال بينهم الفرنجة وبلغ الخبر إلى السلطان فأهمه أمرها وسرح العساكر تترا إلى مظاهرتهم ثم خرج أخوه الأمير أبو يحيى زكريا وسائر بنيه فيمن حضره من العساكر فانطلقوا بجهاد هذا العدو واستنفر المقاتلة من الاعراب وغيرهم فاجتمعت بساحتها بينهم وبين المسلمين جولة جلا فيها أبناء السلطان وكاد الأمير أبو فارس منهم أن يتورط لولا حماية الله التي وقته ثم تداركت عليهم الحجارة والسهام والنفط من أسوار البلد فاحترق البرح المطل عليها من جهة البحر فوجموا لحريقه ثم ركبوا من الغد أسطولهم وأقلعوا إلى بلادهم وخرج أهل المهدية يتباشرون بالنجاة ويتنادون بشكر الأمراء على ما اعتمدوه في نصرهم ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وأمر الأمير أبو يحيى برم ما تثلم من أسوارها ولم ما تشعث منها وقفل إلى تونس وقد أنجح الله قصدهم وأظهرهم على عدوه وعدوهم والله تعالى ينصر من يشاء وهو القوى العزيز * ( انتقاض قفصة وحصارها ) * كان السلطان أبو العباس قد ولى على قفصة عندما ملكها ابنه الأمير أبا بكر وأقام في خدمته من رجال دولتهم عبد الله التريكي من موالي جدهم السلطان أبى يحيى